الشيخ الأميني
107
الغدير
وكان عمر إذا قدم مكة صلى لهم ركعتين ثم يقول : يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، وروى البيهقي عن أبي بكر مثل ذلك . " سنن البيهقي 3 : 126 ، 157 ، المحلى لابن حزم 5 : 18 ، موطأ مالك 1 : 126 " . هذه حجج الخليفة التي أدلى بها يوم ضايقه عبد الرحمن بن عوف لكنها عادت عنده مدحورة ، وقد أربكه عبد الرحمن بنقد ما جاء به فلم يبق عنده إلا أن يقول : هذا رأي رأيته ، كما أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لما دخل عليه وخصمه بحجاجه فقال : والله ما حدث أمر ولا قدم عهد . الخ . وعجز الرجل عن جوابه فقال : رأي رأيته . هذا منقطع معاذير عثمان في تبرير أحدوثته فلم يبق له ارتحاضه إلا قوله : رأي رأيته ، لكن للرجل من بعده أنصارا اصطنعوا له أعذارا أخرى هي أو هن من بيت العنكبوت ، ولم يهتد إليها نفس الخليفة حتى يغبر بها في وجه منتقديه ، ولكن كم ترك الأول للآخر ، منها : 1 - إن منى كانت قد بنيت وصارت قرية ، كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بل كانت فضاء ولهذا قيل له : يا رسول الله ! ألا تبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر ؟ فقال : لا ، منى مناخ من سبق ، فتأول عثمان إن القصر إنما في حال السفر ( 1 ) . أنا لا أدري ما صلة كثرة المساكن وصيرورة المحل قرية بحكم القصر والاتمام ؟ وهل السفر يتحقق بالمفاوز والفلوات دون القرى والمدن حتى إذا لم ينو فيها الإقامة ؟ إن هذا الحكم عجاب ، وهذه فتوى من لا يعرف مغزى الشريعة ، ولا ملاك تحقق السفر والحضر المستتبعين للقصر والاتمام ، على أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى أيام إقامته بمكة قصرا وكذلك في خيبر ، وكانت مكة أم القرى ، وفي خيبر قلاع وحصون مشيدة وقرى ورساتيق ، وكذلك كان يفعل في أسفاره ، وكان يمر بها على قرية ويهبط أخرى على أن صيرورة المحل قرية لم تكن مفاجأة منها وإنما عادت كذلك بالتدريج ، ففي أي حد منها كان يلزم الخليفة تغيير الحكم ؟ وعلى أي حد غير ؟ أنا لا أدري . 2 - إنه أقام بها ثلاثا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة
--> ( 1 ) ذكره ابن القيم في زاد المعاد هامش شرح المواهب للزرقاني 2 : 24 وفنده بقول موجز .